

شوبير يفجر بركان الجفاف المالي في الزمالك: خزينة فارغة، 14 صندوقًا أسود، وعباس ليس وحده المنقذ
وسط حالة من الغليان غير المسبوقة داخل القلعة البيضاء، خرج الإعلامي المخضرم أحمد شوبير بتفاصيل أشبه بمشاهد درامية بوليسية عن الوضع المالي الكارثي الذي يعاني منه نادي الزمالك. لم يعد الأمر مقتصرًا على الخسائر الفنية أمام الأهلي أو بيراميدز، بل أصبح الصراع الأكبر يدور خارج أسوار الملعب، وتحديدًا في أروقة المحاكم ولجان فض المنازعات. ما كشفه شوبير عن وجود 14 قضية عالقة معلقة فوق رأس مجلس الإدارة الحالي ليس مجرد خبر عابر، بل هو إعلان حرب على الوقت الضائع. تلك القضايا ليست مجرد أوراق متراكمة، بل هي ديون متراكمة تهدد بإغلاق النادي بشكل كامل أو على الأقل حرمانه من المشاركة في البطولات الأفريقية لمدة قد تتجاوز الموسم بأكمله.
يكمن الخطر الحقيقي في أن شوبير لم يكتفِ بالإشارة إلى عدد القضايا، بل ربطها بموعد نهائي قاتل هو نهاية شهر مايو الجاري. هذا الموعد ليس مجرد رقم في التقويم، بل هو بمثابة قنبلة موقوتة، حيث أكد شوبير أن الاتحاد الأفريقي لكرة القدم “كاف” لديه مهلة صارمة لتسوية هذه النزاعات قبل السماح للزمالك بقيد لاعبيه الجدد أو حتى خوض أي مباراة رسمية. الصورة التي رسمها شوبير كانت قاتمة للغاية: نادٍ بلا سيولة، خزينته تكاد تكون فارغة تمامًا، وديون مستحقة للاعبين سابقين ووكلاء ومدربين، ومطالب متزايدة من الجماهير التي لم تعد تكتفي بالوعود بل تريد حلولًا عملية على الأرض.
هذه الأزمة تكشف عن فشل ذريع في الإدارة المالية على مدار السنوات الخمس الماضية، حيث تراكمت الالتزامات دون وجود خطة واضحة للسداد. شوبير لم يوجه انتقادات مباشرة لأي شخص بعينه، لكنه ركز على أن المشكلة أصبحت هيكلية وليست مجرد أخطاء فردية. وقال الناقد الرياضي والخبير المالي في حديثه إن أي نادٍ في العالم يحتاج إلى مصدر دخل ثابت وقوي، لكن الزمالك يعتمد بشكل أساسي على إيرادات متقطعة وغير مضمونة مثل عقود الرعاية المؤقتة وبعض الاستثمارات الصغيرة. الوضع الآن يشبه جسدًا ينزف بلا توقف، والعلاج المطلوب ليس ضمادة مؤقتة، بل عملية جراحية كبرى في هيكل النادي المالي.
لكن ما أثار الجدل الأكبر بين الجماهير هو تعليق شوبير على دور رجل الأعمال ممدوح عباس، الرئيس الأسبق للنادي. فبينما يرى البعض أن عودة عباس هي الحل السحري لكل المشاكل، أكد شوبير أن الاعتماد على شخص واحد، مهما كانت إمكانياته المالية، هو وهم كبير وخطير. الزمالك لا يحتاج إلى مليونير واحد فقط، بل يحتاج إلى هيكل إداري متكامل يضمن الاستدامة المالية. استخدم شوبير تشبيهًا لافتًا: إنه مثل قارب مليء بالثقوب، يحتاج إلى فريق كامل لإصلاحه، وليس فقط بحارًا ماهرًا يحاول سحب الماء بيديه. عباس وحده لا يكفي، وإذا لم تتغير الفلسفة الإدارية بأكملها، فإن أي أموال ستضخ ستتبخر بسرعة في فضاء سوء الإدارة.
تحت هذا السقف من الكشف الصادم، يطفو على السؤال الأهم: من يتحمل المسؤولية الحقيقية عن وصول الزمالك إلى هذه الحافة الهاوية؟ الأجهزة الفنية المتعاقبة كل منها زادت المديونية بعقود مبالغ فيها؟ أم مجالس الإدارات السابقة التي تركت تركة ثقيلة بلا حسيب ولا رقيب؟ أم أن النظام الأساسي للنادي نفسه يحتاج إلى إصلاح جذري حتى لا يتحول كل رئيس جديد إلى ديكتاتور مالي بدون رقابة؟ هذه الأسئلة لم يجد شوبير إجابات شافية عليها، لكنه أوضح نقطة غاية في الأهمية وهي أن الـ14 قضية ليست كلها بنفس الخطورة، بعضها قابل للحل بالتفاوض، لكن البعض الآخر يتعلق بأحكام قضائية نهائية لا يمكن الطعن فيها وتتطلب سدادًا فوريًا.
عند تحليل القضايا واحدة تلو الأخرى، نكتشف أن أبرزها تتعلق بمستحقات لاعبين أجانب سابقين، مثل طارق حامد الذي تقدم بشكوى رسمية للحصول على مستحقات متأخرة، وكذلك النيجيري ستانلي أوهاويتشي وقضيته الشهيرة التي خسرها الزمالك بالفعل أمام المحكمة الرياضية الدولية. هذه القضايا لم تعد مجرد مشاكل قانونية عابرة، بل تحولت إلى كوابيس يومية لمسؤولي النادي. كل ملف من هذه الملفات يأتي عبئًا جديدًا على الخزينة الفارغة، ومع عدم وجود مصدر دخل استثنائي مثل بيع لاعب بقيمة كبيرة، فإن الأمور تسير نحو الهاوية بسرعة مخيفة. يذكر أن الزمالك حاول جاهدًا في الفترة الماضية بيع بعض اللاعبين لكن السوق لم يكن في صالح النادي بسبب تراجع المستوى الفني للفريق.
في هذا السياق المأساوي، يتساءل المراقبون: أين دور الرعاية الجماهيرية التي كانت دائمًا ملاذ الزمالك الأخير؟ جماهير الزمالك تُعد من أكثر الجماهير وفاءً في الشرق الأوسط، لكنها أيضًا أصبحت تدرك أن التبرعات الفردية وحملات جمع التبرعات على فيسبوك وتويتر لم تعد تكفي لسد العجز الهائل في الميزانية. هناك حاجة ماسة إلى شراكة استراتيجية حقيقية مع رجال الأعمال الكبار ليس على سبيل التبرع بل من خلال عقود استثمارية طويلة الأجل تدر أرباحًا ثابتة. على سبيل المثال، الاستثمار في أكاديميات النادي، أو إنشاء شركة تسويق رياضي مملوكة للنادي بالكامل، أو حتى تطوير استاد النادي ليصبح مجمعًا تجاريًا وترفيهيًا يدر دخلاً يوميًا.
من ناحية أخرى، لم يغفل شوبير عن ذكر الإخفاق في الملف التسويقي للنادي. بينما تنافس أندية مثل الأهلي وبيراميدز على عقود رعاية ضخمة تصل إلى مئات الملايين، يظل الزمالك يعاني في الحصول على عقود متوسطة القيمة. بعض المحللين الرياضيين يرون أن السبب هو غياب رؤية واضحة لتسويق النادي كعلامة تجارية عالمية. بينما يركز الأهلي على بناء شراكات دولية مع شركات كبرى مثل خطوط طيران ون، يظهر الزمالك في موقف ضعيف دائمًا بسبب عدم الاستقرار الإداري. هذا العجز التسويقي هو أحد الأسباب الرئيسية التي جعلت الخزينة خاوية في الوقت الذي يحتاج فيه النادي إلى أموال طائلة لسد الديون.
بالانتقال إلى الجانب الإداري، يثير الحديث عن “14 قضية” تساؤلات جدية حول كفاءة الإدارة القانونية للنادي. كيف يمكن لنادٍ بحجم الزمالك أن يصل إلى هذا العدد الكبير من الدعاوى القضائية؟ هل هناك تقصير في صياغة العقود؟ أم أن هناك ثغرات يستغلها الوكلاء واللاعبون السابقون؟ بعض المصادر المقربة من النادي تشير إلى أن العديد من هذه القضايا نشأت بسبب بنود جزائية غير واضحة أو تأخر في سداد أقساط بسيطة تحولت مع مرور الوقت وفوائد التأخير إلى مبالغ خيالية. هنا يبرز دور المستشار القانوني للمجلس الحالي الذي يجب أن يكون على مستوى عالٍ من الكفاءة لتفكيك هذه العقدة القانونية الشائكة.
الأكثر إثارة للقلق هو ما كشفه شوبير عن تدخل بعض الأسماء التي كانت محسوبة سابقًا على النادي لكنها الآن تقف في صف الخصوم. هذه النقطة تشير إلى أن الأزمة لم تعد مالية فقط بل أصبحت أزمة ثقة وعلاقات عامة. النادي بحاجة ماسة إلى جبهة داخلية موحدة، بعيدًا عن الصراعات الشخصية والمصالح الفردية. إذا استمرت الحال على ما هو عليه، فإن أي محاولة لإنقاذ النادي ستواجه بعراقيل داخلية تزيد الطين بلة. في هذا الإطار، ناشد شوبير الجميع بالالتفاف حول الكيان قبل فوات الأوان، لأن السفينة التي بها ثقوب كثيرة لا يمكن أن تصل إلى الشاطئ إذا كان كل ربان يريد الإمساك بدفة القيادة بمفرده.
من التداعيات المباشرة لهذه الأزمة المالية المخيفة هو تأثيرها على قدرة الفريق في التعاقدات الصيفية المقبلة. مع اقتراب فترة الانتقالات الصيفية، فإن الزمالك قد يجد نفسه محرومًا من التعاقد مع أي لاعب جديد بسبب حظر التسجيلات. هذا السيناريو مرعب لأي مشجع، لأن الفريق الذي يعاني من غيابات كثيرة سيظل يعاني وربما يزداد ضعفًا. ناهيك عن أن بقاء اللاعبين الحاليين قد يصبح مهددًا، إذ قد يلجأ النادي لبيع نجومه لتغطية بعض الديون العاجلة، وهو ما قد يؤدي إلى تسريع انهيار الفريق تمامًا كما حدث مع بعض الأندية المصرية في الماضي القريب.
هناك أيضًا الجانب الإنساني الذي لا يجب التغاضي عنه. اللاعبون السابقون والمتعاقدون الذين لم يحصلوا على مستحقاتهم يعانون معاناة حقيقية. بعضهم رفع قضايا بدافع اليأس وليس بدافع الأذى. النادي الذي كان يومًا ما منارة للكرة المصرية أصبح الآن مصدرًا لمعاناة عماله ولاعبيه السابقين. هذا الأمر يلقي بظلاله على صورة النادي المعنوية، ويجعل من الصعب استقطاب لاعبين جدد في المستقبل عندما يعرف الجميع أن النادي لا يفي بالتزاماته. السمعة المالية للنادي أصبحت في الحضيض، ولن تتحسن إلا بخطوات عملية جريئة وملموسة.
في النهاية، يظل الأمر الأكثر إيلامًا هو خيبة أمل الجماهير التي تنتظر بفارغ الصبر أي خبر جيد، لكنها لا تجد سوى المزيد من الكآبة. هذه الجماهير التي كانت تملأ المدرجات على مدار عقود هي التي تتحمل العبء الأكبر الآن، فهي تبحث عن أمل جديد وسط هذا الظلام الدامس. ربما تكون الأيام القادمة حاسمة في تحديد مصير النادي، فإما أن تتحرك الأيادي الخفية والظاهرة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، وإما أن نشهد انهيارًا تدريجيًا لا يحسد عليه أحد. نداء شوبير الأخير كان واضحًا: الزمالك ليس ميتًا بعد، لكنه يحتاج إلى إنعاش قلبي عاجل، وإن لم يحدث هذا الآن، فقد يأتي الوقت الذي تكون فيه كل محاولات الإنقاذ قد فات أوانها.
باختصار، ما طرحه شوبير ليس مجرد خبر عابر، بل هو ملف متكامل يكشف عن عمق الأزمة ويطرح تساؤلات عن مستقبل الكيان الأبيض في ظل هذه الظروف الصعبة. الزمن وحده كفيل بالإجابة على هذه التساؤلات، لكن الأكيد أن الأيام بين الآن ونهاية شهر مايو تبدو وكأنها سنوات ضوئية من الأحداث المروعة التي قد تحدث داخل جدران ميت عقبة.
المصدر: خزينة خاوية ومهلة قاتلة.. شوبير يفتح الصندوق الأسود لأزمات الزمالك: ممدوح عباس وحده لا يكفي




